ابو البركات
419
الكتاب المعتبر في الحكمة
من رقدته وهو باق في ذكره هو الذي يذكره في يقظته وما خطر بباله قبله وقبل قبله وانمحى لا يذكره فيعود المعبر على طريق العكس فيستدل بما بقي في ذكره على ما انمحى استدلالا بالتالي على المقدم وعلى السابق باللاحق هكذا فيستخرج من النظائر والأشباه والقرائن والاضداد بحسب الطبائع والأجناس والعادات والاخلاق والامزاج ما يستخرجه من التأويل في كل بحسبه . فأما السبب الفاعل لذلك في النفس فقد قيل فيه ان النفوس بخاصيتها تطلع على الغيب وانما الحواس وما تورده عليها في اليقظة يشغلها فإذا تفرغت منها عادت إلى ما لها بذاتها وخاصيتها . وهذا قول يخالف ما قاله القوم ووافقنا عليه من أن الذي بالقوة لا يخرجه إلى الفعل الا ما هو كذلك بالفعل وليس علم الغيب عند النفس موجودا بالفعل فهو إذا بالقوة فمخرجها فيه من القوة إلى الفعل هو شيء علم الغيب عنده موجود بالفعل وعلم الغيب الذي هو علم ما سيكون انما يتعلق وجوده حيث يوجد فيما يأتي من الزمان بأسبابه وموجباته الموجودة الآن مما بالطبع ومما بالإرادة ومما بهما - اما الذي بالطبع فكالاحراق عند النار ، واما الذي بالإرادة فكالعازم برويته على فعل شئ في مستقبل زمانه فهو يعلم أنه سيفعله من حيث عزم على فعله إذا لم يمنعه مانع ولم يقطعه قاطع ولا يعلم ذلك غيره الا المطلع على ما في ضميره وعزيمته فكذلك الغيوب يعلمها العازم على فعلها قبل ان يفعلها أو المأمور بفعلها الذي تجرى على يده وبسفارته بأمر الآمر وتقديره ونفس الانسان ليست الفاعلة المبتدئة لما سيكون مما لا يتعلق وجوده بعزيمتها ولا الآمرة بالفعل ولا المأمورة به وإلا لعلمته حين تعزم عليه أو حين تؤمر به في اليقظة قبل المنام فبقى انها تطلع عليه من جهة العالم به اما الآمر المبتدئ واما المأمور الذي يجرى الامر على يده . واما المطلع عليه من جهتيهما أو من جهة أحدهما فان العلم بالمجهول يحصل اما من جهة المعلوم الموجود واما من جهة العالم به وحصوله من جهة المعلوم الموجود اما بادراك عينه الموجودة واما بادراك أسبابه الموجبة له وحصوله من جهة العالم به فهو بأن